يظن الكثير من عامة الناس أن لدى الأحزاب الإسلامية الحل والعلاج لمشاكل مجتمعاتهم وأزماتها وقضاياها المعقدة، وما أكبر هذا من وهم!
فلو
نظرنا باختصار شديد إلى اقتصاد العرب والمسلمين أو إلى أوضاعهم السياسية
والاجتماعية، وأحوال التعليم والثقافة والجامعات، لرأينا أن هذه الأزمات
لن تحلها أحزاب معقدة متزمتة خالية من أي إبداع وفهم للعصر... كهؤلاء!
ولهذا، فإن "التجريبية" ستهيمن على حياة العرب والمسلمين لسنوات طويلة،
وسيحاول كل إسلامي لديه شيء من الدراية في أي مجال أن يدلي بدلوه ويفرض
رأيه. وبذلك ستهتز أوضاع مجتمعات العالم العربي والإسلامي اهتزازاً لم
تعرفه في تاريخها الحديث.
وتتضاعف مخاطر هذه التجارب وأشكال "الأسلمة"
المتوقعة في كل مجال وقانون، لأنه لا وقت حقاً لدى العرب والمسلمين للدخول
في مثل هذه التجارب في ظل العولمة والتسابق الدولي. وستتفاعل هذه
الاضطرابات مع مشاكل أخرى نابعة من طبيعة النظام نفسه... وهات يا أزمات!
-
قدم النموذج الإيراني والأفغاني "الطالباني" والنظام السوداني ولا تزال،
حالات مختلفة من العزلة الدولية في ظل الدولة الإسلامية الحزبية ونظامها
العقائدي المتزمت. والمتوقع أن تتزايد عزلة أي نظام تقيمه الأحزاب
الإسلامية سياسياً واقتصادياً، لأسباب معروفة، فالمجتمع الدولي لم يعد
ينظر بارتياح إلى استخدام الدين قاعدة مشروعة للنظام السياسي، ومن الصعب
على الأنظمة الدينية هذه أن تراعي متطلبات إعلان حقوق الإنسان والمساواة
بين أتباع مختلف الأديان وأولها حرية العقيدة الدينية، ولا يستطيع أي نظام
إسلامي مبني على فكر الأحزاب الأصولية أن يقيم علاقات دولية مع البلدان
المتقدمة، ولهذه العزلة كما نعرف ثمن فادح تدفعه الدولة والمجتمع وجيل
كامل من الشباب.
- بما أن دولة الأحزاب الإسلامية نظام حزب واحد وتيار
واحد وفكر واحد، فالاحتمال الأقوى هو أن تضعف فيه أو تنعدم المراقبة
السياسية والمالية الحادة. وقد تنتعش العلاقات المالية والإدارية الفاسدة
بين المسؤولين والمستفيدين والتجار والمهنيين لأسباب حزبية ودينية
وعشائرية ومذهبية.
من أخطر الاحتمالات كذلك انزلاق النظام الديني
الحزبي باتجاه العسكرة وتنمية القدرات العسكرية وربما الإرهابية، وهنا
أيضاً لا تنقصنا الشواهد النظرية من كتب ومقالات وخطب الأحزاب الإسلامية،
ولا الشواهد العملية من سياسات "الأنظمة الإسلامية" أو حتى الجماعات
الإسلامية. وفي الحالتين نجد توقاً جامحاً في صفوف القوم نحو القوة
العسكرية والبحث المحموم عن السلاح وتعبئة الأعضاء والأنصار بأهمية
الاستعداد للهجوم على الكفار والمنافقين والمرتدين، وتوحيد العالم
الإسلامي بالقوة إن لزم الأمر، والعمل على استرجاع الأندلس وأجزاء من
الهند والصين وربما كل أجزاء الدولة العثمانية، وما يتيسر ضمه من الدول
الأخرى!
ستنتهي الحياة الثقافية في هذه الدولة إلا في أضيق الحدود،
فالأحزاب الإسلامية رغم كل ما عانت ورغم كل هذه الأعداد الهائلة التي تسير
في ركابها، ورغم كل من يكتب وينشد ويخطب لها، لم تنتج شيئاً ذا بال في
مجال الأدب والفكر والفن، وكل من تثقف وتفتح فكره هجر الأحزاب الإسلامية
وترك قطار الدعوة وانضم تدريجياً إلى صفوف الليبراليين وربما العلمانيين
الأقحاح!
وستكون الثقافة في ظل هذا النظام خليطاً من الأشعار الدينية
والروايات الأخلاقية والأناشيد الحزبية والتعبوية واللوحات الخالية من كل
ذي روح! ولن تتوقف الدولة عند هذا الحد، بل ستلاحق كل أدب وثقافة وفن ذي
قيمة. وإذا كانت هذه الجماعات قادرة اليوم وهي بعيدة عن السلطة أن تتحكم
بالثقافة العربية داخل وخارج العالم العربي، بل وحتى في أوروبا واستراليا،
فكيف لو صارت بيدها السلطة والسلطان! وقد يتساءل واحد منا: ماذا لو لم
تلجأ دولة الأحزاب الإسلامية لكل هذا؟ والجواب ببساطة.. لن تدوم!